محمد بن محمد ابو شهبة

380

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

من ذهب وأني اذيت رجلا منكم ، ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها ، فخرجا من عنده مقبوحين ، مذمومين مدحورين ، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار ، مع خير جار ، حتى قدم منهم من قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة بعد ، وبقي من بقي حتى قدموا عقب خيبر سنة سبع . وهكذا نرى من هذه القصة أن من يصدق اللّه يصدقه ، وينصره على من يريد به سوا ، ويجعل له من ضيقه وأزماته فرجا ومخرجا ، وعسى أن يكون فيها عبرة للذين يتصدّون للدعوة الإسلامية ، وذلك بأن يلتزموا جانب الحق والصدق في دعوتهم ، وألايحرّفوا فيها ، أو يغيروا ، أو يداهنوا تبعا للأهواء السياسية وغيرها ، وليجاهروا بالحقائق الإسلامية ، وليكن في ذلك ما هو كائن . إسلام النجاشيّ وقد أسلم النجاشي ، وصدّق بنبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان قد أخفى إيمانه عن قومه ؛ لما علمه فيهم من الثبات على الباطل ، والجمود على العقائد الموروثة وإن صادمت العقل والنقل . وقد روي في الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي اللّه عنه : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلّى ، فصفّ بهم ، وكبّر أربع تكبيرات » . وقد روي أيضا أن اسمه ( أصحمة ) ، فقد روى البخاري عن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين مات النجاشي : « مات اليوم رجل صالح ، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة » « 1 » وروي هذا عن غير واحد من الصحابة « 2 » . جواز الصلاة على الغائب وقد استدل بما صحّ من صلاة النبي والمسلمين على النجاشي على جواز الصلاة على الغائب ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء سلفا وخلفا ، وصار شرعا متبعا إلى يوم القيامة .

--> ( 1 ) بفتح الهمزة ، وسكون الصاد ، وفتح الحاء والميم كما في القاموس . ( 2 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 77 . وانظر صحيح البخاري ومسلم - كتاب الجنائز .